محمد حسين الذهبي
240
التفسير والمفسرون
موقف متقدمى الباطنية من تفسير القرآن الكريم علمت أن الغرض الأول الذي تقوم عليه دعوة الباطنية وتتركز فيه : هو العمل على هدم الشرائع عموما ، وشريعة الإسلام على الخصوص ؟ فكان لزاما عليهم وقد قاموا يحاربون الإسلام - أن يعملوا معاول الهدم في ركن الإسلام المكين ، وهو القرآن الكريم ، وقد عجموا معاولهم كلها فلم يجدوا معولا أصلب ولا أقوى على تنفيذ غرضهم من معول التأويل والميل بالآيات القرآنية إلى غير ما أراد اللّه . كتب عبيد اللّه بن الحسن القيرواني إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنانى رسالة طويلة جاء فيها ( . . . وإني أوصيك بتشكيك الناس في القرآن والتوراة والزبور والإنجيل ، وتدعوهم إلى إبطال الشرائع ، وإلى إبطال المعاد والنشور من القبور ، وإبطال الملائكة في السماء ، وإبطال الجن في الأرض ، وأوصيك أن تدعوهم إلى القول بأنه قد كان قبل أدم بشر كثير ، فإن ذلك عون لك على القول بقدم العالم ) « 1 » اه . رأى هذا الزعيم الباطني أن التشكيك في القرآن خير معوان لهم على تركيز عقائدهم ، ورأى رأيه أهل الباطن جميعا فقالوا : ( للقرآن ظاهر وباطن ، والمراد منه باطنه دون ظاهره المعلوم من اللغة ، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللب إلى القشر ، والمتمسك بظاهره معذب بالشقشقة في الكتاب ، وباطنه مؤد إلى ترك العمل بظاهره ، وتمسكوا في ذلك بقوله تعالى في الآية ( 13 ) من سورة الحديد « فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ » ) « 2 » .
--> ( 1 ) الفرق بين الفرق ص 180 ، وبمثل وهذه العبارة يستدل أبو منصور البغدادي على أنهم دهريون ( 2 ) المواقف ج 8 ص 388 .